حسن حسن زاده آملى
785
عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون
وتوضيح ذلك أنّ مواد الاشخاص الأخروية ومتعلقاتها وما يكون بمنزلة البذور للأشجار والنطف للحيوانات والهيولي للعقليات ، انما هي التصورات الباطنية والتخيّلات النفسانيّة والتأملات العقلية لأن الدار الآخرة وكلّ ما فيها ليست من جنس هذه الدار وما فيها . فما في الدنيا له مادة جسمانية تطرأ عليها صورة أو نفس من خارج بإعانة أسباب خارجية وأوضاع وحركات فلكية ، ولأجسامها الحيوانية حيوة عرضية . وما في الآخرة من الجنّات والأشجار والأنهار وغيرها أرواح هي بعينها صور معلقة قائمة بذاتها ، حيوتها نفس ذاتها . وكل نفس انسانية مع ما يتعلق بها من الحور والقصور والأشجار والأنهار جميعها موجودة بوجود واحد ، وحيّة بحيوة واحدة . والمجموع مع وحدته الشخصية متكثر الصور ، فهي الكل في وحدتها . والانسان إذا انقطع عن الدنيا وتجرّد عن لباس هذا الأدنى وكشف عن بصره هذا الغطاء كانت قوته الادراكية قدرة ، وعلمه غيبا ، وغيبه شهادة ، فيصير مبصرا لنتائج اعماله وأفكاره ؛ ومشاهدا لآثار حركاته وافعاله ، قاريا لصحيفة أعماله ، ولوح كتابة حسناته وسيئاته . كما قال تعالى : « وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً » « 1 » . وممّا يدل على أن الانسان الكائن في الدار الآخرة غير متكون من مادة طبيعيّة بل من صورة نفسانية ادراكية ، قوله تعالى : « وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ » « 2 » . وقوله : « إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ » « 3 » . ومعلوم ان ما في عليين ليس مخلوقا من المادة الجسمانية . فعلم أن المرء متكوّن في القيامة من معلومه ومعتقده : فإن كان معلومه من باب الشهوات المذمومة ، والأماني الباطلة ، والأهواء الفاسدة ، تكون من أهل النار والعذاب محترقا بنار الجحيم يكون كتابه في سجين . وان كانت معلوماته من باب الأمور القدسية ومعرفة اللّه وملائكته وكتبه ورسله ،
--> ( 1 ) . الإسراء : 13 - 14 . ( 2 ) . الواقعة : 61 . ( 3 ) . المطففين : 18 .